تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تجفيف المنابع

كاتب المقال د . محمد يحيى   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


سمعنا عن مفهوم تجفيف المنابع منذ أوائل الثمانينيات، عندما أخذت السلطات في بلد عربي صغير نسبيًا في المغرب العربي في اتباع سياسة ترمي إلى تضييق الحصار، وخنق الأفكار التي تروج أو تتداول بين الجماعات الإسلامية، وذلك من خلال السيطرة على المساجد، وإغلاقها إن تطلب الأمر والرقابة الصارمة على المطبوعات، وتعديل المناهج التعليمية، وإلغاء المعاهد الدينية أو حصر نشاطها في مجرد تعليم العبادات دون المعاملات أو العقيدة، وما إلى ذلك من الإجراءات التي وصفت كلها بأنها تستهدف منع الأفكار من الوصول إلى الجمهور المسلم في ذلك البلد، وهي الأفكار التي وصفت بأنها متطرفة على رغم أنها أفكار تدور حول العقائد الإسلامية والعبادات والمعاملات والتاريخ الإسلامي، وقبل كل شيء تتصل بالشريعة وتتصل بموقف الإسلام من الحياة ومن الأمور الجارية.

وقد انتشر تعبير تجفيف المنابع بعدها ليعم بلدانًا عربية أخرى صارت في هذا المجال صوتًا أبعد إلى حد أنها تفوقت على البلد العربي الصغير الذي نشأت فيه هذه الفكرة أول مرة، ولكن المتابع لمجريات الأحداث يتبين له أن هذه الفكرة لم تنشأ أصلًا في هذا البلد العربي الصغير أو في البلدان العربية والإسلامية الأكبر التي صارت مساره حتى باكستان مثلًا، التي أصدر رئيسها السابق مشرف قرارًا منذ سنوات قليلة يمنع فيه المدارس والمعاهد الدينية، ولاسيما ما كان يتبع منها بعض الجماعات الإسلامية الكبرى.

إن فكرة تجفيف المنابع هي فكرة نشأت أصلًا في الغرب ومارسها الغرب بنجاح أو بتفوق منذ عهود بعيدة، ولعلنا إذا اكتفينا فقط بالعودة في الماضي إلى زمن الحرب العالمية الثانية سوف نجد العجب العجاب، فبعد هزيمة ألمانيا في تلك الحرب وأيضًا بعد هزيمة اليابان، جلس القادة العسكريون الأمريكيون وأقول القادة العسكريون، وليس الساسة، أو أصحاب الفكر أو غيرهم من القواد في الأمة الأمريكية.

جلسوا هؤلاء العسكريون لكي يبحثوا في طرق يتمكنوا بها من اقتلاع الأفكار التي وصفت بأنها متطرفة، والتي تدور حول القومية الألمانية أو القومية اليابانية، وفي البداية كانت الدعوة المعلنة من جانب هؤلاء العسكريين أنهم يريدون اجتثاث جذور النازية، أو القومية اليابانية العنصرية المتطرفة، ولكن مع تطور الوقت ثبت أن ما يفكر فيه هؤلاء القادة العسكريون إنما هو اجتثاث واقتلاع الهوية الألمانية واليابانية نفسها، وإحلال هوية أمريكية محلها حتى على حساب الهوية العريقة، وأقصد الألمانية التي غذت في السابق الهوية الأمريكية نفسها وساعدت في تكوين بعض جوانبها من خلال الأفكار الفلسفية والأدبية والسياسية والاقتصادية، التي انتقلت من ألمانيا إلى أمريكا على مدى القرن التاسع عشر وما بعده.

أما بالنسبة لليابان، فقد كان الأمر واضحًا، وهو أن مفهوم تجفيف المنابع لا يقتصر على منع بعض الأفكار القومية المتطرفة هنا وهناك، بل أنه يمتد إلى أمركة الحياة اليابانية بالكامل وأمركة الدولة والشعب، وإعادة صياغتهما على النموذج الأمريكي والغربي عمومًا في أشد توجهاته سوءًا نحو الاستهلاك، ونحو الرأسمالية الجامحة بلا ضوابط، ولم يتوقف مفهوم تجفيف المنابع عند ألمانيا واليابان المهزومتين في الحرب العالمية، بل إنه امتد في السنوات الأخيرة إلى الكتلة الشرقية السابقة، حيث بدأت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الاشتراكية عملية واسعة من أوربة وأمركة هذه البلدان حتى وصولًا إلى فرض مذهب ديني مسيحي عليها يخالف مذهبها الأصلي، وهو الأرثوذوكسي.

فبالتالي نشأت جماعات التبشير والتنصير التي تحول أتباع المذهب الأرثوذوكسي في روسيا وفي أوروبا الشرقية إلى المذاهب البروتستنتية المختلفة، بل وأيضًا إلى المذهب الكاثوليكي الذي نشطت كنيسته في هذا الصدد، وبالطبع فإن هذه الأنشطة التبشيرية لم تستطع أن تمتد إلى الكتل السكانية المسلمة في روسيا السابقة بل ترك أمر هذه الكتل للسلطات الروسية العسكرية لكي تقمعها وتكبتها رغم دعاوى روسيا الجديدة بأنها سوف تمارس الديمقراطية والتحرر حتى في الجمهوريات السابقة التي كانت خاضعة للاتحاد السوفيتي.

والخلاصة هي أن مفهوم تجفيف المنابع الذي يمارس الآن وعلى مدى العشرين عامًا الماضية، على امتداد الساحة الإسلامية، والذي ما يزال هو السائد الآن على ساحة الفعل الاجتماعي والثقافي من جانب الأنظمة في تلك البلدان ليس كما يتبادر إلى الذهن هو مفهوم وليد تفكير بعض الأجهزة الأمنية ضيقة الأفق والمحدودة أو وليد تفكير بعض النخب العلمانية الطامحة في البقاء إلى السلطة والقضاء على الإسلام، وإنما هو مفهوم ألقي إلى هذه النخب، وإلى تلك الأجهزة من جانب الغرب ومن جانب القوى الصهيونية والصليبية السائدة في الغرب والناشطة على الأرض الإسلامية لكي تطبقه في بلادها بنجاح كما طبقه الغرب نفسه قبل ذلك.

وعلى مدى القرن العشرين، بل وربما قبله في بلدان غربية صميمة مثل ألمانيا وفي بلدان أسيوية وشرقية قوية مثل اليابان وفي بلدان أوروبية شرقية كبرى مثل روسيا ونجح فيها كلها إلى الحد الذي أصبح معه الآن يلاحظ وبفخر أن روسيا قد انتشرت فيها المظاهر الغربية بدأ من المافيا (أي العصابات والجريمة المنظمة) وصولًا إلى الاتجاهات الاستهلاكية بل ويلاحظ الغرب أيضًا وبنوع من الفخر أن أسلوب تجفيف المنابع أو اجتثاث الهوية الثقافية والاجتماعية قد أخذ يصل حتى إلى دولة مثل الصين كانت إلى أعوام قليلة تقاوم كل هذه التوجهات وتحاربها بشدة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تجفيف المنابع، تونس، تغريب، تغيير مناهج، إلحاق بالغرب، الغرب الكافر، غزو فكري، غزو إعلامي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 6-05-2009   almoslim.net / shareah.com

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أحمد بن عبد المحسن العساف ، د.ليلى بيومي ، د - محمد سعد أبو العزم، د. طارق عبد الحليم، صلاح المختار، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمد تاج الدين الطيبي، إيمان القدوسي، عبد الله زيدان، جمال عرفة، مراد قميزة، عزيز العرباوي، محمود فاروق سيد شعبان، فتحـي قاره بيبـان، مصطفي زهران، رحاب اسعد بيوض التميمي، صلاح الحريري، د - غالب الفريجات، عبد الغني مزوز، شيرين حامد فهمي ، الهيثم زعفان، ماهر عدنان قنديل، د. صلاح عودة الله ، منجي باكير، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فراس جعفر ابورمان، د.محمد فتحي عبد العال، أ.د. مصطفى رجب، حميدة الطيلوش، خبَّاب بن مروان الحمد، عبد الرزاق قيراط ، صالح النعامي ، عبد الله الفقير، محمد العيادي، يحيي البوليني، محمود صافي ، تونسي، د - شاكر الحوكي ، د - مصطفى فهمي، د - محمد بنيعيش، د- محمد رحال، د - صالح المازقي، حسن الحسن، الشهيد سيد قطب، محمود طرشوبي، د. جعفر شيخ إدريس ، د - المنجي الكعبي، محمد الطرابلسي، أنس الشابي، ياسين أحمد، سيدة محمود محمد، صفاء العراقي، أشرف إبراهيم حجاج، سامر أبو رمان ، حسن عثمان، خالد الجاف ، ابتسام سعد، العادل السمعلي، د. خالد الطراولي ، حاتم الصولي، د- محمود علي عريقات، فاطمة عبد الرءوف، إيمى الأشقر، صباح الموسوي ، د - مضاوي الرشيد، سعود السبعاني، محمد إبراهيم مبروك، المولدي الفرجاني، الناصر الرقيق، محمد أحمد عزوز، أبو سمية، د - احمد عبدالحميد غراب، الهادي المثلوثي، إسراء أبو رمان، د - الضاوي خوالدية، محمد شمام ، رافع القارصي، د - محمد عباس المصرى، صفاء العربي، د. عبد الآله المالكي، هناء سلامة، د - أبو يعرب المرزوقي، سلام الشماع، سحر الصيدلي، محمد عمر غرس الله، أحمد ملحم، مجدى داود، إياد محمود حسين ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سوسن مسعود، يزيد بن الحسين، أحمد بوادي، د. محمد عمارة ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، جاسم الرصيف، سامح لطف الله، محمود سلطان، مصطفى منيغ، فاطمة حافظ ، أحمد الحباسي، رضا الدبّابي، د. عادل محمد عايش الأسطل، منى محروس، سيد السباعي، أحمد النعيمي، بسمة منصور، حسن الطرابلسي، عمر غازي، رشيد السيد أحمد، فوزي مسعود ، كريم السليتي، علي الكاش، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، فهمي شراب، رأفت صلاح الدين، سلوى المغربي، د - محمد بن موسى الشريف ، د. محمد يحيى ، رمضان حينوني، طلال قسومي، نادية سعد، محرر "بوابتي"، معتز الجعبري، عواطف منصور، د. نهى قاطرجي ، أحمد الغريب، سفيان عبد الكافي، د- جابر قميحة، محمد الياسين، د- هاني ابوالفتوح، د. الشاهد البوشيخي، د. الحسيني إسماعيل ، د. محمد مورو ، فتحي الزغل، د- هاني السباعي، د. مصطفى يوسف اللداوي، حسني إبراهيم عبد العظيم، عراق المطيري، عصام كرم الطوخى ، د. نانسي أبو الفتوح، عدنان المنصر، كمال حبيب، د. أحمد بشير، رافد العزاوي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، حمدى شفيق ، د. أحمد محمد سليمان، فتحي العابد، د. ضرغام عبد الله الدباغ، علي عبد العال، وائل بنجدو، كريم فارق، محمد اسعد بيوض التميمي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة