المقالات الاكثر قراءة
 
تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس ومحاولات إنعاش سوق الانقلاب بعد ركوده

كاتب المقال المختار غميض - تونس   
 المشاهدات: 75



الثورة التونسية التي كانت فارقة في الدول العربية والإسلامية وظلّت متماسكة في أحلك الأوقات، رغم كل الأزمات والمؤامرات التي حيكت لها، دخلت منذ 25 يوليو/ تموز الماضي على حين غرة نفق الانتكاسة، على يد من كان طيلة تلك الفترة مضرب المثل بالصدق والنزاهة والثورية.

بيدَ أنَّ "الانقلاب" الدستوري الذي نفّذه أستاذ القانون الدستوري، ظلّ على مدى الأشهر الخمسة الماضية يراود التونسيين على استحياء، ويردّ عن نفسه صفة الانقلاب بتعلّة عدم زجّ الناس في السجون والمحافظة على حرية التعبير والإعلام وتواصُل الحياة السياسية العادية، وكما قال سعيّد نفسه فهو لم ينصب المشانق ولم يعدم الناس بالرصاص.

بل كان الرئيس التونسي قيس سعيّد يستهزئ في جُلّ كلماته وخُطَبه المصوّرة ممّن يصفون ما فعله بالانقلاب، ويتّهمهم بعدم فقههم للقانون، رغم أن ما فعله هو تطبيق حرفي لوثيقة "الانقلاب" المسرَّبة التي نشرها موقع "ميدل إيست آي" في أواخر شهر مايو/ أيار الماضي.

تنكيل لإنعاش أسهم الانقلاب
رغم كل الوعود بالمحافظة على حرية التعبير ومكسب الحقوق والحريات، إلا أن سلطة "الانقلاب" سرعان ما بدأت بالتضييق على الحريات والحقوق ووسائل الإعلام في أكثر من مناسبة، ومع أن سعيّد رفع كل القيود اللاقانونية التي حاصر بها معارضيه بداية، لتوجّسه منهم خيفة على انقلابه المقدّس على "قبة الإخوان"، إلا أن انفضاض الناس من حوله يومًا بعد يوم، وتزايُد حدّة معارضيه وجرأتهم في التصدّي له، جعلا سلوكيات "السلطان الجديد" تتغير وتنزع رويدًا نحو مزيد البطش والقمع والاستبداد.

ومع بدء تقهقر سلطة "انقلاب" الرئيس وتراجع شعبيتها في الشارع، انتشرت بعض الأقاويل من هنا وهناك عن عودة ماكينة "البوليس السياسي" القديمة للعمل مجددًا، وفق تعليمات شفوية ومبادرات لا قانونية تهدف بالأساس إلى التقرُّب من السلطة الجديدة.

إلا أن تلك المقولات لم يكن هناك ما يعززها على أرض الواقع، حتى بعد حادثة صحفي إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة، الذي نشرَ في شهر أغسطس/ آب الماضي مقالًا عن تعمُّد بعض الأشخاص السؤال عن منزله واستفسار الجيران عنه تبيّن أنهم من الأمن، قالوا له: "جئنا للاطمئنان عليك" في رسالة واضحة يعرفها التونسيون، التي هي تحذير من مواصلة انتقاد الرئيس وأفعاله وقراراته.

إضافة إلى حادثة محاولة اقتحام منزل الناشط السياسي وأستاذ القانون وعضو مبادرة "مواطنون ضدّ الانقلاب"، جوهر بن مبارك، قبل أشهر، في رسالة كذلك واضحة لعدم مواصلة نشاطه ضد "الانقلاب"، إلى جانب عمليات رصد مقرّ إضراب الجوع الذي ينفّذه عدد من السياسيين في مقرّ حزب حراك تونس الإرادة.

كما عملية الاعتداء على أخ الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، بعد ترصّده قرب محل سكناه، وغير ذلك من الحوادث التي تشير فعليًّا إلى عودة نشاطات البوليس السياسي من جديد لصالح شقّ سياسي واضح، وهو رئيس الدولة ومحيطه، لا سيما بعد جملة من التغييرات والتحويرات على مستوى قيادات الوزارة الأمنية، منذ تولي الوزير الحالي توفيق شرف الدين زمام الوزارة.

الاختطاف والإخفاء القسري
إلا أن جميع ما سبق لم يصل لدرجة ما وقع على المحامي والقيادي في حركة النهضة ووزير العدل الأسبق، نور الدين البحيري، الذي تمَّ اختطافه من أمام بيته من طرف مجموعة من الأمنيين غير المعروفين، وتمَّ اقتياده إلى مكان غير معلوم، دون إذن قضائي ولا أية معلومات من أية جهة رسمية في الدولة.

هذا إلى جانب تغييب الإطار السابق بوزارة الداخلية، فتحي البلدي، الذي لا يزال مكانه مجهولًا إلى اليوم، وهي سابقة خطيرة جدًّا لم تقع في تونس حتى في زمن دكتاتورية ابن علي، والغريب في الأمر أن وزارة الداخلية برّرت ذلك في بيان لها، على أنه تنفيذ إجراء في الإقامة الجبرية ضدّ الاثنين المذكورَين.

إلا أن الإقامة الجبرية لا تتمّ بهذه الصورة، ويكون المشتبه فيه معلوم المكان ويتمتّع بحقوقه المدنية الكاملة، لكن ما حدث لكلّ من البحيري والبلدي يُعتبر إخفاءً قسريًّا لمواطنَين تونسيَّين، دون أية تُهم أو شبهات واضحة أو دراية أية جهة قضائية، وهذا ما يؤكده أهل الاختصاص من المحامين والقضاة والحقوقيين، ما يفتح المجال واسعًا للتأويل.

ولا يختلف اثنان أن ما وقع لا يمكن أن يقع إلا في أكثر الدول تخلُّفًا وقمعًا واستبدادًا ودكتاتوريةً، ولا يمكن أن يقع في بلد ما زال حاكموه يتحدثون باسم الثورة والمبادئ والأخلاق والقانون، رغم أنهم خرقوا القانون وخالفوه في عدة مناسبات، منها التأويل الفاسد لمدلول الفصل 80 من الدستور، ثم الانقلاب على الدستور برمّته بعد ذلك.

ورغم تبريرات وزير الداخلية توفيق شرف الدين، في الندوة الصحفية التي عقدها مؤخرًا، إلا أن أغلب المتابعين للوضع لم يقتنعوا بما وردَ في كلمته، لا سيما أنه أرفقها بنبرة تهديدية لمن شاركوا في الاحتجاج على احتجاز وزير العدل الأسبق نور الدين البحيري، أمام مستشفى بنزرت أين تمَّ إنعاشه قبل يومَين بعد أن تعرّض لسكتة قلبية كادت تودي بحياته.

كما أن التُّهم التي تحدّث عنها وزير الداخلية الذي بدا مذبذبًا ومضطربًا في كلمته، لا ترتقي لمستوى ما وقع من خطف واحتجاز غير قانوني لكل من نور الدين البحيري وفتحي البلدي.

منعرج خطير
أجمع أغلب السياسيين والإعلاميين المتابعين للشأن التونسي في الأيام الأخيرة، على أن سياسة الاختطاف والاحتجاز اللاقانوني أعادت تونس سنوات عديدة إلى الوراء، بل هي بمثابة الإعلان رسميًّا عن تأسيس دولة الدكتاتورية الجديدة بفرض الأمر الواقع على الجميع، رغم أن رئيس البلاد أستاذ للقانون الدستوري، ووزير داخليته محامٍ، ووزيرة عدله قاضية، فكان الأَولى ترسيخ دولة العدل والقانون لا دولة الانقلاب وقانون الغاب، حيث يصبح فيها المستقبل أكثر غموضًا.

إلا أن المحللين السياسيين اعتبروا أن عملية احتجاز كل من البحيري والبلدي تأتي في إطار التصعيد مع حركة النهضة، ومحاولة الترويج للمعركة على أنها ثنائية بين سعيّد والنهضة التي تتعلق بها "شبهات إرهاب وفساد"، وبالتالي حشد عدد جديد من الأنصار للرئيس بعد التقهقر الواضح في شعبيته.

يحدث هذا ونحن على أبواب 14 يناير/ كانون ثاني الذي يحشد له معارضو الرئيس، وينتظر خروج مسيرات مليونية احتفالية بعيد الثورة واحتجاجية ضدّ "الانقلاب"، وهو ما يعني أن الأيام القادمة في تونس سوف تكون حُبلى بالجديد، والذي قد يكون هذه المرة بخلاف التوقعات السابقة.



 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

إنقلاب قيس سعيد، تونس، الإنقلاب في تونس،

 





تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 6-01-2022   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
مراد قميزة، جاسم الرصيف، المولدي الفرجاني، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، أحمد النعيمي، خالد الجاف ، الهيثم زعفان، صالح النعامي ، محمد العيادي، عبد الرزاق قيراط ، د - عادل رضا، سيد السباعي، د - المنجي الكعبي، د. طارق عبد الحليم، كريم فارق، أنس الشابي، أحمد بوادي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د - محمد بنيعيش، د - صالح المازقي، د- جابر قميحة، سعود السبعاني، يزيد بن الحسين، أحمد ملحم، فتحي العابد، رضا الدبّابي، محمود طرشوبي، محمود سلطان، صفاء العراقي، رافد العزاوي، إيمى الأشقر، محمد الياسين، رمضان حينوني، محمد عمر غرس الله، الهادي المثلوثي، تونسي، الناصر الرقيق، أحمد بن عبد المحسن العساف ، وائل بنجدو، أحمد الحباسي، خبَّاب بن مروان الحمد، صباح الموسوي ، ماهر عدنان قنديل، د.محمد فتحي عبد العال، علي الكاش، سليمان أحمد أبو ستة، رافع القارصي، د. خالد الطراولي ، د. عبد الآله المالكي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، مجدى داود، عزيز العرباوي، سلام الشماع، د - محمد بن موسى الشريف ، إياد محمود حسين ، ياسين أحمد، د - مصطفى فهمي، محمود فاروق سيد شعبان، محمد الطرابلسي، كريم السليتي، د- محمد رحال، د - شاكر الحوكي ، العادل السمعلي، عراق المطيري، رشيد السيد أحمد، فتحي الزغل، حميدة الطيلوش، نادية سعد، عبد الغني مزوز، حسن عثمان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، منجي باكير، صلاح الحريري، فوزي مسعود ، د- هاني ابوالفتوح، د- محمود علي عريقات، أبو سمية، صلاح المختار، أشرف إبراهيم حجاج، فهمي شراب، سفيان عبد الكافي، عبد الله الفقير، حسني إبراهيم عبد العظيم، يحيي البوليني، حسن الطرابلسي، د. مصطفى يوسف اللداوي، علي عبد العال، ضحى عبد الرحمن، عبد الله زيدان، حاتم الصولي، أ.د. مصطفى رجب، رحاب اسعد بيوض التميمي، مصطفى منيغ، طلال قسومي، محمد اسعد بيوض التميمي، محمد شمام ، فتحـي قاره بيبـان، عمر غازي، عواطف منصور، د. أحمد محمد سليمان، محرر "بوابتي"، د. عادل محمد عايش الأسطل، سلوى المغربي، محمد أحمد عزوز، د. أحمد بشير، مصطفي زهران، إسراء أبو رمان، سامر أبو رمان ، د. صلاح عودة الله ، د - الضاوي خوالدية، صفاء العربي، سامح لطف الله،
أحدث الردود
برجاء السماح بإمكانية تحميل الكتب والمراجع...>>

جل الزعماء العرب صعدوا ،بطرق مختلفة ،تصب لصالح المخطط الانتربلوجي العسكري التوسعي الاستعماري،ساهموا في تبسيط هدم حضارة جيرانهم العربية او الاسلامية عم...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة